الشيخ محمد هادي معرفة
363
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
النفوس على حبّ الانتقال وتصريف الأحوال ، فتملّ من الاستمرار على منوال واحد من وجه الكلام . . . هذه هي فائدته العامّة السارية في جميع موارده . وتختصّ مواضعه ، كلٌّ بنكتة وظريفة زائدة ، يحلو بها البيان وتهشّ إليها النفوس وتستلذّها . قال الزمخشري : وذلك على عادة افتنان العرب في كلامهم وتصرّفهم فيه . ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه ، من إجرائه على أسلوب واحد . وقد تختصّ مواقعه بفوائد . « 1 » وتنظّر ابن الأثير في هذا التبرير ، قال : لأنّ الانتقال في الكلام إذا كان لأجل تطرية نشاط السامع فإنّ ذلك يدلّ على أنّه يملّ من أسلوبه فيضطرّ إلى الانتقال إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع . وهذا قدح في الكلام لاوصف له ، إذ لو كان حسنا لما ملّ . على أنّ هذا لو سلّم لكان في مُطنَب مطوَّل ، لا في مثل الالتفاتات الواقعة في تعابير موجزة وآيات قصيرة من الذكر الحكيم . فلعلّ المقصود : هو مجرّد الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ، ليكون نفس هذا هو المطلوب لا الانتقال إلى الأحسن . الأمر الذي ليس يذهب على مثل الزمخشري العارف بفنون الفصاحة والبلاغة . قال : والوجه عندي أنّ الانتقال لا يكون إلّا لفائدة اقتضته ، وتلك الفائدة أمرٌ وراء الانتقال ، وهي لاتحدّ بحدّ ، ولا تضبط بضابط ، لكن يشار إلى مواضع منها ، ليقاس عليها غيرها . فإنّا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب . ثمّ رأينا ذلك بعينه - وهو ضدّ الأول - قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة . فعلمنا أنّ الغرض الموجب استعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة ، وإنّما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود ، وذلك المعنى يتشعّب شُعَبا كثيرة لا تنحصر ، وإنّما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه . « 2 » ثمّ جعل يوضّح حقيقة ما في هذا الباب بضرب الأمثلة التالية :
--> ( 1 ) - الكشاف ، ج 1 ، ص 14 . ( 2 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 173 .